Make your own free website on Tripod.com
مع الأخصائي النفسي بديع القشاعلةألا بذكر الله تطمئن القلوب

 

 

 

 

 

 

 

 

النظرية المحمدية وعلم السلوك

بقلم الاخصائي النفسي بديع القشاعلة

 أن علم السلوك يبحث في كثير من الظواهر السلوكية لدى الإنسان ويقوم بتمحيصها وتحليل اسبابها وبواعثها ومحاولة وضع خطط علاجية لحلها, ومن العلماء المشاهير الذين قضوا وقتا طويلا في بحث السلوك الانساني نذكر العالم النفسي الشهير المدعو   (جان بياجية) والذي بحث في سلوك الطفل ومراحل تطوره وتعلمه وفهمه وإدراكه للمحيط . هذا العالم يعد من كبار الخبراء النفسيين الذين بحثوا في التطور السلوكي لدى الأطفال وقد قام بعدة تجارب شهيرة  استطاع من خلالها ان يثبت للعالم ان الطفل يمر بمراحل فهم وإدراك متفاوتة تنمو وتتطور مع تقدم عمره.

 فقد قضى جان بياجية حياته في البحث عن كيفيه تعلم الأطفال للأشياء المحيطة بهم  وطرق فهمها, وقد استطاع ان  يربط بين إدراك الطفل وتعلمه للمحيط وبين عمره الزمني , أي ان الطفل لا يستطيع على سبيل المثال ان  يتعلم الكلام قبل ان يصل  إلى  عامه الأول و إذا كانت هناك محاولات فإنها بالطبع ستبوء بالفشل . كما ويعتقد بياجيه ان الطفل يتعلم عن العالم المحيط به عن طريق ما يسمى بالإدراك التدريجي التابع للفكر.

 لقد توصل جان بياجية  بعد أن قضى وقتا طويلا من حياته يبحث في جوانب الطفل السلوكيه إلى ما أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا, حينما ربط لنا إدراك الطفل وفهمه لمحيطه بالعمر الزمني . وان الطفل لا يستطيع ان يكتسب الشيء ويتعلمه إلا حينما يصل نموه ونضجه إلى الزمن المطابق لتعلم هذا الشيء.

عن عمر بن شعيب,عن أبيه,عن جده رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:   "مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا , واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وفرقوا بنيهم في المضاجع ". رواه احمد وابو داود والحاكم , وقال : صحيح على شرط مسلم .

يقول الله تعالى: " وما ينطق عن الهوى , إن هو إلا وحي يوحى" .

(سورة النجم  ,4,3).

ان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم , حديث مهم وبه ما يجب التمعن فيه والتفكر مليا  إذ  يحدد محمد عليه الصلاة السلام فترات زمنيه للتعامل مع الطفل .

 فقوله: " مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا " تحديد للزمن وللوقت المناسب الذي يستطيع فيه الطفل تلقي الأوامر وفهم الأمور.

 لكي نتمكن من فهم هذا الحديث بشكل واضح وأفضل, علينا ان نفهم أولا مراحل النمو النفسي والسلوكي لدى الأطفال في السن المبكرة, أي في مرحلة الرضاعة والمهد حتى سبع سنوات الأولى من عمر الطفل.

 ان مرحلة الرضاعة تتميز بتقليد الطفل لحركات وأفعال الكبار مما يؤدي  إلى  بداية تعلمه , ومن وجهة نظر علماء النفس ان التقليد يعتبر مستوى جديدا من النشاط العقلي والمعرفي . وفي بداية السنة الثانية يبدأ الطفل باكتشاف المحيط والتعرف عليه عن قرب, كما و يبتكر أشياء جديدة غير مألوفة, وليس فقط مجرد التكرار عن طريق الصدفة كما كان في المراحل الأسبق وإنما يبدأ بنفسه اكتشاف الموضوعات المحيطة به.

وبذلك يرى الطفل نفسه كمؤثر , وهو يتمسك بمفاهيم معينة للسبب والنتيجة . وكل هذا يتبين لنا حينما نرى طفلنا قد زادت حركته وزادت ضجته ولعبه أو كما نقول نحن " تخريبه للبيت " ان هذا يدل على مدى نمو الطفل من الناحية العقلية والمعرفية.

 وفي منتصف السنة الثانية يبدأ الأطفال بما يطلق عليه بياجية ببدايات التفكير ,  إذ  أنهم يجربون أفعالا معينة  " في رؤوسهم "  قبل ان  يجرونها في الواقع . وهذا ما يسمى بالاختبارات العقلية . هنا علينا ان نشير إلى ان    شكل التفكير لدى الأطفال في العامين الأولين عادة ما يكون محدودا للغاية . حيث انه يتعامل فقط حسب مبدأ هنا والآن . أي انه يعيش في عالمه الخاص به ولا يستطيع ان يتعرف على عالمنا الفكري والعقلي. فهو لا يفهم سوى ما يريده هو , وهذا ما أطلق عليه بياجية بالتفكير المتمركز حول الذات أو التمركز الذاتي . بعد ان  تمكن العالم النفسي جان بياجية من اكتشاف بان الطفل لا يستطيع ان ينظر من منظورنا  إلى  الحياة , وذلك بعد مجهود كبير قام به . نجد ان هذه النظرية توصل إليها محمد صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرنا ونيف , إذ  نجد في حديثه الشريف :

روى احمد وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله عنه,عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: " من قال لصبي هاك , ثم لم يعطه فهي كذب" .

 في هذا الحديث الشريف يحدد لنا محمد صلى الله عليه وسلم القائل والسامع والنتيجة. فالقائل هو جمع الكبار, لان الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحدث مع الصحابة رضوان الله عليهم. والسامع هو الصبي أي الطفل .أما النتيجة فهي الكذب أي إذا  قال الكبير للصغير هاك ولم يعطه فقد كذب , وان قصد المزاح .

من هنا نجد ان الرسول الكريم أراد ان  يوضح للناس ان  عالم الطفل هو عالم آخر  , غير عالمنا , وان الطفل لا يستطيع ان  ينظر بمنظورنا للأمور نحن الكبار , أي يقصد عليه الصلاة والسلام هنا ان تفكير الطفل متمركزا حول ذاته , وانه لا يفهم مقاصد الأمور بل ما نقول ونفعل , وهذا ما يقوله علم النفس الحديث , ان الأطفال الصغار يتعلمون على أفضل نحو من الأنشطة العيانية , وحين نحاول ان ننقل المعرفة عن طريق اللفظ فان النتيجة كثيرا ما تكون فهما سطحيا .